ابن ميثم البحراني
89
شرح نهج البلاغة
يسمّوا ركبانا ، وإذا نزلوا أن يسمّوا ضيفانا ، وإذا تجاوروا أن يجيبوا داعيهم ويمنعوا عنه الضيم ، وأن يفرحوا إن جادهم الغيث ، ويقنطوا إن قحطوا منه ، وأن يتزاوروا في التداني ويحلموا عند وجود الأضغان ، ويجهلوا عند قيام الأحقاد ويخشوا ويرجوا . فسلبت عنهم تلك الصفات وعرفوا بأضداد تلك السمات . الثانية عشر : فجاؤها كما فارقوها أي أشبه مجيئهم إليها ووجودهم فيها وخروجهم منها يوم مفارقتهم لها ، ووجه الشبه كونهم حفاة عراة ، وهو كناية عن النفر منها ، ودلّ على ذلك استشهاده بالآية الكريمة . وموضع قوله : قد ظعنوا عنها . النصب على الحال . كما انتصب حفاة عراة ، والعامل فارقوها . ولا يقدّر مثله بعد جاؤها وإن قدّر مثل الحالين السابقين . قال الإمام الوبريّ - رحمة اللَّه عليه - : فراقهم من الدنيا إن خلقوا منها ومجيئهم إليها إن دفنوا فيها قال اللَّه تعالى « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ » . ثم قلت : وكان الحامل لهذا الإمام على هذا التأويل أنّه لو كان مراده مجيئهم إليها هو دخولهم فيها حين الولادة مع أنّه في ظاهر الأمر هو المشبّه ومفارقتهم هي المشبّه به لانعكس الفرض . إذا المقصود تشبيه المفارقة بالمجئ وذلك يستلزم كون المشبّه هو المفارقة والمشبّه به هو المجيء لكن ينبعى أن يعلم أن المشابهة إذا حصلت بين الشيئين في نفس الأمر جاز أن يجعل أحدهما أصلا والآخر فرعا ، وجاز أن يقصد أصل المساواة بينهما من دون ذلك فحمله هنا على الوجه الثاني أولى من التعسّف الَّذي ذكره . فأمّا الآية فإنّ - من - فيها لبيان الجنس فلا تدلّ على المفارقة والانفعال . وباللَّه التوفيق . 109 - ومن خطبة له عليه السّلام ذكر فيها ملك الموت هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا - أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً - بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى